النموذج التنموي الحالي نجاحات مع نواقص واختلالات

منذ الاستقلال وبصفة خاصة منذ العقدين الأخيرين، استطاع المغرب قطع أشواط كبيرة في النماء وبناء دولة حديثة وذلك بفضل رؤية استشرافية ونجاعة الأوراش والإصلاحات التنموية والتي بدأت تعطي ثمارها. وهو ما مكن الاقتصاد الوطني لمواجهة إلى حد ما الأزمات الاقتصادية والتصدي نسبيا للصعوبات التي يعرفها المحيط الجيو-استراتيجي الجهوي والدولي.

عموما،ورغم النتائج المشجعة وتحسن المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية في إطار النموذج الحالي، إلا أننا نقر بأن الطريق ما زال شاقاً وطويلا لتحقيق الطموح المشروع والكبير للمواطنين لتحسين مستوى العيش، والرفع من معدلا ت التشغيل باعتباره يشكل الحماية الاجتماعية الحقيقية للمواطن وللشباب على وجه الخصوص.

فادا كان البعض يتحدّث عن الفشل التام للنموذج التنموي والاقتصادي الذي عرفه المغرب منذ الاستقلال، إلا أننا في الحركة الشعبية لدينا موقفا مغاير، بحيث نعتبر أن هدا النموذج التنموي كان مبنيا على اختيارات واضحة وصائبة، وتوجهات إستراتيجية مضبوطة.

وقد تجلى ذلك، في مواصلة المغرب لتقدمه بخطى ثابتة لتوطيد البناء الديمقراطي وإنجاز التنمية الاقتصادية والاجتماعية، من خلال الحفاظ على توازنات الماكرو-اقتصادية والمالية وخلق أقطاب جهوية للتنمية، وتقوية قدراته على خلق فرص الشغل وتحسن المؤشرات الاجتماعية.

في هدا الإطار عرف المغرب تحولات عميقة بفضل الاستراتيجيات القطاعية الطموحة متوسطة وطويلة المدى فيما يخص بالأساس القطاعات الواعدة التي يتوفر فيها المغرب على ميزات تنافسية واضحة وذلك من خلال مخطط «إميرجونس»الخاص ببعض فروع الصناعة والخدمات, و«رؤية2010 » التي أصبحت «رؤية2020 » بالنسبة للسياحة و«رؤية2015 » بالنسبة للصناعة التقليدية ومخطط «ًرواج2020 » بالنسبة للتجارة الداخلية ومخطط «المغرب الأزرق » بالنسبة للصيد البحري ومخطط «المغرب الأخضر » و التي بدأت تعطي ثمارها فيما يخص ارتفاع القمة المضافة في هذه القطاعات و خلق العدد الأكبر من فرص الشغل .بالإضافة إلى الانفتاح الاقتصادي الذي مكن المغرب من ترسيخ مكانته في الاقتصاد العالمي ، و توقيع اتفاقية الشراكة المتقدمة مع الاتحاد الأوروبي ، واتفاقيات التبادل الحر مع قوى اقتصادية عالمية مثل الولايات المتحدة أو مع دول ناشئة مثل تركيا.

على المستوى الاجتماعي، نسجل بارتياح أن وضعية المواطن تحسنت نسبيا خلال السنوات الأخيرة، إذ بين 2001 و2014، تقلص معدل الفقر من 15.3% إلى 4.8% ، وارتفع متوسط الإنفاق السنوي الفردي من 10 آلاف درهم إلى 15 آلاف درهم.

إلا أنه مازالت شريحة كبيرة من المغاربة تعاني من الفقر والهشاشة. ولحد الآن يعاني 1.6 مليون مغربي من الفقر، ويعيش 4.2 مليون في وضعية هشاشة، حيث يمكن أن يلتحقوا، في أي وقت، بفئة الفقراء.

وتسجل بعض الدراسات ذات مصداقية، أن المغرب يعرف أعلى مستوى للفوارق في شمال إفريقيا، رغم الانخفاض النسبي الذي عرفه هذا المؤشر في العقدين الأخيرين.

وضعية غير عادية وغير متوازنة وغير عادلة للثروة الوطنية رغم ارتفاع مستمر للثروة، بحيث ارتفع الناتج الوطني الإجمالي في العقدين الأخيرين من 400 مليار درهما إلى 1200 مليار درهم. إلا أن 10% من الأكثر ثراء، يتمتعون بمستوى معيشة أعلى 12 مرة، من مستوى معيشة 10% لأكثر فقرا، وهو فارق لم يتراجع منذ 1990.

وأمام هذه الوضعية الغير الصحية للمسار التنموي والديمقراطي للبلاد وما يمكن أن يترتب عنها من اضطرابات اجتماعية،أعلن عن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وهدفها تحسين مؤشر التنمية البشرية ومحاربة الفقر والهشاشة في المناطق والإحياء المستهدفة. وهكذا استطاع المغرب في ظرف عشر سنوات أن يحسن مؤشر التنمية البشرية.

رغم هذه النتائج الإيجابية نسبيا إلا إن المبادرة لم تستنفد رسالتها ومازالت مدعوة لتحسين مقارباتها فيما يخص الاستهداف، ومراجعة منهجية اختيار وتحديد المشاريع، وذلك بناء على معايير منطقية كالمردودية الاقتصادية وضمان تسويق المنتوج.

موازاة مع مجهدات المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ولمواجهة ظاهرة الفوارق الاجتماعية وتحقيق التماسك الاجتماعي اتخذت عدة تدابير متواصلة من أجل إصلاح صندوق المقاصة كرفع الدعم تدريجيا عن المواد المتبقية والمزيد من توجيه جهود الدولة إلى تمويل سياسات وبرامج التنمية الاجتماعية وصناديق دعم التماسك الاجتماعي.

للوصول إلى هذا المبتغى نعتبر بأنه يجب معالجة المنهجية المتابعة فيما يخص السياسات العمومية وثغرات تنفيذها؛لأنه في أغلب الحالات تتسم هذه السياسات بعدم ملائمة البرامج والأهداف. كلها عوامل ساهمت في ضعف مردودية للسياسات العمومية الإقتصادية والإجتماعية.

لذا ندعو إلى توسيع المجال الجغرافي للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية لتدخلها بصفة شاملة إلى العالم القروي، لأن الخصاص مازال قائما رغم المجهودات المبذولة من جهة و التدبير العقلاني و المحكم والاتقائية بين المبادرات للتنمية البشرية و برامج التغطية الصحية و المساعدة الاجتماعية من جهة أخرى.

كما نعتبر أن هناك هوامش التنمية لم تستغل لحد لآن من أجل تحسين مستوى العيش لفئة واسعة من المواطنين. ونشير بالخصوص هنا إلى مخطط "أليوتيس"، ومخطط المغرب الأخضر ودعامته الثانية اللذان ساهما في تشجيع الفلاحة التضامنية وتطوير الصيد التقليدي وتشغيل عدد هام من اليد العاملة في قطاع الصيد البحري وسلاسل التسويق في البادية. ولكن رغم هده المكتسبات الهيكلية مازال تعدة إشكاليات مطروحة ويتعلق الأمر بتحسين الإنتاج وتثمينه وحماية الفلاح الصغير ة والمتوسط من تقلبات السوق.

الحركي عندو وصية...المغرب هو القضية